. هاجر وأمها أنظف وأعلى بكتير من إنسانية بيتك، وسيبيني في حالي لو باقي عندك ذرة رحمة.” كل محاولة كانت بترجعنا لنفس نقطة الصفر.. بنتي راحت له المكتب واترجته وهي بتبكي وتقول له: “يا أحمد أنا أختك الصغيره، غلطت واستقويت بس والله ما كنت فاهمة.. سامحني ويرجع البيت، بابا لو كان عايش ما كانش هيرضى باللي بيحصل ده!
” رد عليها بقسوة ما عهدناهاش فيه: “لو بابا كان عايش، كان تبرأ منك ومن تصرفك الرخيص ده.. تعليقك لشهادتك واستعلاءك على الناس مش هينفعك لما تكتشفي إنك بقيتي لوحدك.. امشي يا هانم وركزي في كليتك عشان تشبعي بيها.” البيت بقى فاضي وموحش، وأنا وبنتي بقينا نقعد قصاد بعض في الصالة المكركبة ندمانين على لحظة استعلاء وكبر، كسرنا بيها قلب بنت يتيمة وأمها الشريفة، فخسرنا قصادها السند الوحيد اللي كان مالك علينا دنيتنا.
بعد ما كل الأبواب اتسدت في وشنا، وأحمد بقى يهرب مننا وزي ما يكون بنطهره باللمس، ما بقاش قدامي أنا وبنتي غير حل واحد.. الحل اللي كنا بنهرب منه ونعتبره يقل من هيبتنا، بس الشوق لأحمد والندم اللي أكل قلوبنا خلانا ندوس على كبرياءنا المزيف. مسكت إيد بنتي، ونزلنا المشوار اللي كنا فاكرين عمرنا ما هنمشيه.
. مشينا في الشارع البسيط اللي ساكنة فيه هاجر، وكانت رجلينا أتقل من الجبال، وكل خطوة بنقرب فيها من بيتهم، كنا بنفتكر كلامنا القاسي والاستعلاء اللي طلع مننا، فنحس بالخزي والكسرة. وصلنا قدام بيتهم، بيت بسيط جداً بس نتيجته وعتبته منضفة وزي الفل.. وقفت ثواني أتردد، وإيدي بترتعش وأنا برفعها عشان أخبط على الباب. أخت أحمد كانت واقفة ورايا باصة في الأرض ودموعها في عينها، حاسة بحجم الذنب اللي شاركت فيه. خبطت خبطتين هاديين..
وبعد لحظات اتفتح الباب، ووقفت قصادنا أم هاجر. ست بسيطة، وشه بشوش رغم التعب، لابسة هدوم متواضعة جداً، وإيديها باين عليها أثر الشقا والتعب بالحلال.. بصت لنا بذهول واستغراب، وما كانتش عارفة إحنا مين في الأول، لحد ما أنا نطق صومي بصوت مخنوق: “أنا.. أنا أم أحمد يا أم هاجر.
” ملامح الست اتغيرت فوراً، وظهرت على وشها طيبة الشرفاء وعزة نفس أصلية، ومسكت طرف طرحتها بهدوء وقالت بنبرة راقية ومفيهاش أي غل: “أهلاً وسهلاً يا أم أحمد.. اتفضلوا، البيت بيتكوا.” ما هانتش علينا نفسنا ولا هان علينا الكرم ده، وما قدرتش أدخل الشقة أصلاً.. وقفت على العتبة، ودموعي كرت على خدي، وبصيت للأم الشريفة دي وقلت لها بصوت مكسور ومشروخ: “لا يا أم هاجر.
. إحنا ما نستاهلش ندخل بيتك ونقعد على كرسيك قبل ما تسمحينا.. أنا جيت لحد عندك النهاردة عشان أقولك حقك عليا، وحق جزمتك فوق راسي.. أنا ظلمت بنتك واستعليت عليها، وعايرتك بشقاكي الشريف اللي المفروض الكل ينحني له احتراماً.. أنا جيت أقولك إني كنت عمياء وقاسية، وبطلب منك ومن ربنا تسامحوني.” في اللحظة دي، خرجت هاجر من الأوضة جوه على صوتنا.. كانت لابسة بيتي بسيط، أول ما شافتنا وقفت مكانها ومسكت في إيد أمها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.