القاضي بصلي وسألني بهدوء: — المدعية شيماء أحمد.. هل تقبلي الاعتذار والصلح؟ وقفت بثبات، وبصيت للقاضي وقلت بكل وضوح وصوت هز القاعة: — يا سيادة القاضي.. المسألة مكنتش مسألة فلوس ولا هزار.. المسألة كانت كرامة وإنسانية اتداست لسنين تحت مسمى “ست قاعدة في البيت”. يوم ما اتكافئت بجنيه على عمر وصحة أتداسوا عشان خدمتهم، عرفت إن مكاني مش هناك. أنا تنازلت عن كل حقوقي المالية، بس مش هتنازل عن كرامتي ونفسي تاني أبداً.
القاضي سكت ثواني، ودق بمطرقته على المكتب وقال بحسم: — حكمت المحكمة بالتطليق خلعاً بين المدعية والمدعى عليه، مع إثبات حضانة الأم لصغيرتها، وإلزام المدعى عليه بالنفقة الشرعية المقررة. رفعت الجلسة. أول ما المطرفة دُقّت، حسيت بروح جديدة دخلت صدـ,,ـــري. التفتت وعطيت ظهري لأحمد وأهله. أحمد وقع على الكرسي ومش قادر يشيل نفسه، وأمه وأخته بدأوا يتخانقوا مع المحامي بتاعهم بصوت عالي، لكن كل الأصوات ديقت بالنسبة لي مجرد ضوضاء بعيدة مفيش ليها أي تأثير عليا.
خرجت من المحكمة، وأنا ماشية بخطوات واثقة للكعب بتاعي. الشمس كانت ساطعة والجو صافي. بعد ستة أشهر… كانت ليلة العيد الجديدة. كنت واقفة في صالة العرض الكبيرة للشركة، والمناسبة كانت افتتاح المبنى الإداري الجديد اللي أشرفت على تنفيذه من الألف للياء. القاعة كانت مليانة رجال أعمال، مستثمرين، ومهندسين كبار. رئيس مجلس الإدارة صعد على المسرح، ومسك المايك وقال بصوت مرتفع: — والآن.
. بنتكرم وبنقدم درع التميز والنجاح لأقوى وأكفأ مديرة مشروعات عندنا، الباشمهندسة شيماء أحمد! الكل وقف وانفجرت القاعة بالتصقيف. صعدت على المسرح ببدلة شيك جداً، وحصّلت الدرع الذهبي، والعميل الخليجي سلم عليا وباركلي بصرف مكافأة ضخمة ونسبة أرباح جديدة. بصيت للجمهور، وشفت بنتي واقفة في أول صف، لابسة فستان أبيض زاهي، وبتبصلي بعينين مليانين فخر ودموع فرحة، وبتصفق لي من كل قلبها.
في نفس اللحظة دي.. لمحت من بعيد، عند باب القاعة الخارجي، أحمد واقف برة الزجاج.. شكله مبهدل، وجاي يحاول يشوفني من بعيد بعد ما حياته اتقلبت رأساً على عقب، والبيت بقى خرابة من غيري، وعايش في ندم بياكل فيه كل يوم. مسكت المايك، وبصيت لبنتي، وقلت كلمتي الأخيرة قدام الكل: — الإنسانية والتقدير مش رفاهية.
. كرامة المرأة وعملها وتعبها في بيتها أو شغلها قيمتهم لا تُقاس بالمال.. والست اللي تعرف قيمة نفسها، محدش يقدر يكسرها أبداً. ابتسمت لبنتي، ونزلت من المسرح وأنا ماسكة إيدها، ودخلنا مرحلة جديدة من الحياة.. مرحلة النجاح، القوة، والحرية اللي ملهاش ثمن.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.