النور اتقطع، والضلمة طبقت على المكان زي الكابوس. الصالة بقت كحل، ومفيش فيها غير بصيص نور أزرق وأحمر بيضرب من ورا شباك البلكونة… نور سارينات البوليس اللي قالبه الشارع تحت. عمران كان واقف يتنفس بصوت عالي كأنه بيغرق، وحماتي قعدت في الأرض جنب الكرتونة المفتوحة، تلطم على خدودها بصوت مكتوم: "يا مصيبتك السودة يا جملات… يا خراب بيتك يا ابني! البوليس جه وراكم… البوليس جه ياكل عيشنا وشبابك هيضيع في السجون!
" عمران مسك في دراعي في الضلمة، وضوافر صوابعه غرزت في لحمي وهو بيهزني بجنون: "انطقي يا منار! كلمتي مين؟ اتصلتي بأخوكي ولا بأمك؟ قولتيلهم إننا متخانقين؟ حد فيهم بلغ؟ انطقي قبل ما البيت يتهد فوق نفوخنا!" زقيته بكل قوتي وبكل الغل اللي اتجمع في قلبي منه ومن أمه، وصرخت فيه وأنا بتعثر في السجادة: "ابعد إيدك القذرة دي عني! أنا مكلمتش مخلوق! أنا كنت لسه بحاول أفهم البلاوي اللي أنتوا راميني فيها!
أنت اللي مجرم وجايب وراك مصايب الدنيا كلها وجاي تلصمها فيا وفي أهلي!" في اللحظة دي، صوت الخبط على باب الشقة اتهبد هبدة واحدة، خلت حلق الباب الخشب يطقطق: "افتح يا عمران! افتح المباحث!" الكلمة نزلت على ودن عمران زي رصاصة، رجع لورا واتخبط في ترابيزة السفرة، والشنطة السودا وقعت من إيده على الأرض.
حماتي زحفت على ركبها، وحاولت تزق الكرتونة المتبهدلة تحت الترابيزة وهي بتنهنه: "استخبى يا عمران… ادخل البلكونة نط على السطوح… اهرب يا ضنايا وأنا هقولهم معرفش حاجة!" عمران كان مشلول، وشه تحت ومفيش فيه دم، بيبص للباب اللي بيترزع، ويبص للبلكونة، ومفيش أي مفر؛ إحنا في الدور الرابع، ومفيش سطوح يتنط عليه من البلكونة، وتحت في الشارع كلابشات ورجالة واقفين سادين الحارة كلها. الرزع زاد، وصوت كسر كالون الباب طرقع في الضلمة: "اكسر يا ابني!
" ثانية واحدة، والباب اتفتح على مصراعيه بضربة رجل عنيفة، والضلمة اتفرتكت بفلاشات كشافات قوية جداً عمّت عينينا. "اثبت مكانك أنت وهو! ولا حركة!" دخل تلات أفراد بملابس مدنية، وفي إيديهم سلاح ميري، ووراهم اتنين عساكر شايلين كشافات طوارئ ضربت في نص الصالة، وخلفهم دخل راجل أربعيني، لابس بدلة كحلي وقميص رمادي، ملامحه هادية جداً وباردة زي التلج، ماسك في إيده سيجارة مولعة.
بص في الشقة كلها بهدوء، عينه وقعت على عمران اللي متسمر ورافع إيديه الاتنين في الهوا، وبعدين بص لحماتي اللي مكومة في الأرض على ركبها، وأخيراً بصلي أنا وأنا ساندة على حيطة الممر، بنهج وبمسح دموع الرعب من على وشي. الظابط شاور للعساكر: "كلبش الاتنين دول، واقفلوا كل المداخل." عمران بصوته اللي رايح، حاول ينطق: "يا باشا… يا باشا في سوء تفاهم… أنا لسه نازل من المطار حالا ومعملتش حاجة!
" الظابط قرب منه بابتسامة سخرية خفيفة، ونزل الكشاف على الكرتونة اللي اتفتحت وظهرت منها قوالب الفويل الفضي، ووطى أخد قالب منهم وشمه، وبعدين بص لعمران وقال بنبرة هادية ترعب أكتر من الزعيق: "سوء تفاهم برضه يا عمران؟ كرتونة التمر العجوة اللي متبهدلة ألماس خام وسندات شركات منهوبة من جدة، وشنطة الأوراق المسروقة اللي جنبك دي، كل ده سوء تفاهم؟
ده أنت غلبان أوي بقى." حماتي صرخت: "ابني ميعرفش حاجة يا بيه! الست دي… مراته هي اللي جابت الكرتونة! هي اللي كانت طمعانة فيها ومخبيها عندها في الشقة، والله ما لينا دعوة بيها!" أنا سمعت كلامها، وبصيتلها بذهول مش قادرة أصدقه. الست اللي كانت من كام ساعة بتدعي في الكعبة، مستعدة تلبسني مصيبة عمرها وتضيع حياتي كلها في ثانية، عشان بس تبري ابنها المجرم!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.