خطيبي 3

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

خرج المحامي من بيتنا بعد ما ساب صورة الحكم بالتعويض، وكانت الصالة مليانة فرحة وارتياح ينور الوشوش. المائتان وخمسون ألف جنيه دول مكنوش مجرد رقم، دول كانوا الصك الرسمي اللي أثبت للدنيا كلها إن القانون مبيحْمِيش الأندال، وإن حق البنت الشريفة مبيتنسيش ولا بيموت بالتقادم. طارق جوة السجن وصله خبر حكم التعويض عن طريق محاميه اللي زاره في التخشيبة. المحامي وقفلّه عند السلك وقالّه ببرود: “يا طارق، الموقف بقى أعقد مما تتخيل.

المحكمة المدنية فرضت عليك 250 ألف جنيه تعويض مدني ونفسي، وبما إنك ما سددتش، أهلك اضطروا يبيعوا العربية اللي حيلتك وشقتك اتعرضت للمزاد الجبري لتنفيذ الحكم. أهلك سابوا المنطقة وعزلوا لشقة إيجار في مكان بعيد، وأبوك قال لي إنه مش يدفع ولا جنيه تاني في أتعاب محاماة!”في اللحظة دي، طارق حس إن الأرض بتتزلزل تحت رجليه بجد. السقف الواطي بتاع العنبر بقى يضغط على نفسه، والأسوار العالية بقت تخنقه.

النهاردة هو مش بس محبوس ومسجوب ومفصول من شغلي ومشطوب من نقابته.. النهاردة هو بياع كل حاجة كان يملكها، أهله اتدمروا، والبيت اللي كان بيتباهى بيه بقى ملك للناس بتمن بخس عشان يدفعوا ثمن أفعاله وقذارته! وقع طارق على أرضية العنبر وهو بيصرخ ويدق راسه في الحيطة الخرسانة، الدموع نازلة من عينيه مغرقة وشه المتبهدل، والمساجين حواليه بيبصوله بنظرات قرف وسخرية.

واحد من كبار العنبر قرب منه وزقه برجله وقال له بقسوة: “افصل يا روح أمك! أنت فاكر نفسك فين؟ هنا سجن.. واللي يظلم بنات الناس ويطعن في شرفهم يسوى تحت الجزمة! اقعد ساكت بدل ما نربيك من جديد!”مرت الأيام والشهور ثقيلة ومُرة على طارق، وكل يوم بيمر عليه جوة العنبر كان بيموت فيه ألف مرة من الندم والحسرة.

كانت تمر عليه ليالي الشتا الثلج وهو قاعد على البرش، يفتكر لما كان بيكلمني في التليفون بدلع وتبجح ويقولي “إنتي معقدة ومش فاهمة الحب”، يفتكر لما جه لحد صالتنا وحاطط رجل على رجل وقال لأبويا “بنتك محتاجة تتربى”. كان بيشوف وشه المتورم في مراية الحمامات القذرة يفتكر البوكسات اللي أخدها من إخواتي، ويفتكر نظرة الشموخ والقوة اللي كانت في عينيا وأنا واقفة في نص الصالة بالفستان وبكشف مستوره قدام عيلته كلها!

أما أنا، فكنت بعيش أحلى أيام حياتي. التعويض المالي أخدناه بالقانون، وبابا أصر إن المبلغ ده يتدفع بالكامل في حساب خاص بيا في البنك، وقال لي: “ده حقك وثمن كرامتك اللي حفظتيها يا بنتي، اعملي بيه المشروع اللي بتحلمي بيه ورتبي بيه مستقبلك.”بالفعل، أخدت المبلغ واستغليته في فتح مكتب استشارات هندسية وديكور خاص بيا، الشغف اللي كنت بحبه وبحلم بيه طول عمري.

المكتب نجح بسرعة بفضل ربنا ودعم أهلي وسمعتي الطيب، وبقيت مهندسة شاطرة ومعروفة في شغلي، والناس بقت تجيلي بالإسم عشان أسلوبي وأمانتي. وفي يوم من الأيام، بعد مرور سنتين ونصف على حبس طارق، وجماهير المنطقة والناس كلها نسيت اسمه وبقت قصته مجرد عبرة بيحكوها للبنات وللشباب عن عاقبة الظلم، حصلت المفاجأة اللي أربكت كل الحسابات.

كنت قاعدة في مكتبي الصبح براجع مخططات أحد المشاريع، ولقيت الباب بيتفتح ودخلت سكرتيرة المكتب وهي باين على وشها التوتر والتفاجؤ: “يا بشمهندسة.. فيه واحد برة عايز يقابلك ضروري، بيقول إنه قريبك وجايبلك رسالة من أهلك. “استغربت وقولتلها: “قريبي؟ اسمه إيه؟”قالت لي وهي بتبص في الورقة: “بيقول اسمه المهندس طارق…”القلب اتنفض لحظة، بس مش من الخوف.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
عع

عالم المرأة عالم المرأة ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
289مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

يوم طلاقي1 روايات

يوم طلاقي1

يوم طلاقي ابويا حلف لطليقي وقاله بنتي هجوزها لاول حد يطلبها حتى لو كلب ، قام جارنا المجذوب…

عالم المرأة عالم المرأة 0.0 5 دقائق
رجعت من مأموريه روايات

رجعت من مأموريه

رجعت من مأمورية قبل معادي ومن غير ما أقول لحد إني راجع، عشان أفاجئ مراتي. لكن أول ما فتحت …

عالم المرأة عالم المرأة 0.0 22 دقائق