! أنتِ تعبانة!"شالت إيده بتعب وقالت— "أنا مش فاضل لي كتير.. قبل ما أقابل ربنا، عاوزة أعمل لكم أكلة حواوشي بإيدي زي زمان واحطلكم فيه لحمه من اللي حرمتكم منها."عمي قال لها:— "يا أمي أنتِ حيلك مهدود، حواوشي إيه بس؟!"قالت وهي بتهز رأسها بإصرار:— "لازم أعملهم عشان أستريح.
"وقامت بتتسند على العكاز ورايحة على المطبخ بخطوات بطيئة. داليا وشهد جريوا عليها بدموع:— "يا ستي خلاص إحنا مش زعلانين منك والله!"— "ارتاحي أنتِ وإحنا هنعمل العجين والتتبيلة!"ووفاء قامت عشان تجهز الفرن. الثلاثة اشتغلوا معاها..وأنا واقفة في نص الصالة،بصيت على ضهرها المحني وهي داخلة المطبخ.
.وفكرت في جملة واحدة:"مش صح.. اللي بيحصل ده مش طبيعي!"ست عاشت عمرها كله شايفانة بلا قيمة، وكانت تستخسر فينا حتى نص رغيف حاف..ليه فجأة وقبل ما تموت بساعات، تصر وتحفى عشان تأكلنا من إيدها؟!كل ما أفكر في الموضوع، أحس إن فيه حاجة غلط.. حاجة مرعبة. وفي الآخر، ووسط تلميحات العيلة واتهاماتهم ليا بإني قاسية، سحبت شنطتي ومشيّت من البلد في نفس اليوم العصر.
على بال الليل، وأول ما نزلت من القطر السريع، موبايلي نور..عشرات المكالمات!وجروب العيلة فيه أكتر من تسعين رسالة غير مقروءة!وفجأة.. لقيت مكالمة أمي جاية لي. صوتها كان بيرتعش لدرجة إنه طالع بالعافية:— "يا خلود..."— "الحمد لله إنك ما أكلتيش!
"— "أنتِ مش متخيلة ستك كانت ناويه تعمل إيه..."فتحت فيديو لسه نازل حالا على جروب العيلة. وبس مجرد ما لمحت أول كام ثانية.. جسمي كله اتجمد من الذهول!الجزء الثاني: الصدمة على الشاشةفتحت الفيديو وأنا مرعوبة، وعيوني مسمّرة على شاشة التليفون.
الشاشة كانت مهزوزة وكأن اللي بيصور كان بيكاميرا خفية أو بيحاول يخبي تليفونه وهو بيصور من ورا الباب. المنظر اللي ظهر قدامي كان كابوس حقيقي.. جدتي كانت واقفة جوه المطبخ لوحدها، بعد ما بنات عمي خرجوا لحظات يجيبوا حاجات العجين من بره.
كانت واقفة قدام رخامة المطبخ، ومسكة علبة صغيرة فيها بودرة غريبة لونها أصفر باهت، وبترشها بكميات مرعبة فوق طبق اللحمة المفرمة اللي خصصته للحواوشي! وهي بتعمل كده، كانت بتضحك ضحكة شيطانية صفرا، وبتهمس بصوت واطي وتقول لنفسها:— "كل عمري كنت بكرها.
. ولو هموت، لازم آخدكم كلكم معايا! لا إنتوا ولا عيالكم تفضلوا على وش الأرض بعدي.. خسارة فيكم الحياة!"الصوت كان واضح كحد السيف. قفلت الفيديو وجسمي كله كان بينفض من كتر الرعب، وسألت أمي بصوت ميت ومرتعش:— "يا أمي.. إيه ده؟! وفاء وداليا وشهد.. أكلوا؟!"أمي ردت بصوت مسطول من الخضة والعياط:— "يا ريت يا بنتي.
. جدتك أصرت عليهم وكلوا من إيديها بالعافية، وبعد ما خلصوا بكم ساعة، وفجأة لقيت البيت كله مقلوب، تلاتتهم اتقلبت أحشائهم وطلعوا رغاوي من بوقهم، ودلوقتّي الإسعاف شايلاهم على المستشفى في حالة تسمم حاد والكل دايما في الطوارئ!
"حسيت إن الدنيا بتلف بيا، ورجلي ما عادتش شايلاني. صرخت في التليفون: "طب وأبويا وعمي؟!"أمي أجابتني بدموع أنهت كل طاقة عندي:— "أبوكي وعماكي كلوا هما كمان من الحواوشي.. الكل في المستشفى بين الحياة والموت، وجدتك.. جدتك ماتت وهي على السرير بعد ما كلت معاهم عشان تضمن إن السم يمشي في دمهم كلهم!
"وقفت في نص الشارع والقطر بيصفر جنبی، والشنطة وقعت من إيدي. الست دي ما اكتفتش بعمر كامل من الظلم والكره والقسوة، دي صممت وهي بتلفظ أنفاسها الأخيرة إنها تبيد العيلة كلها وتمحينا من على وش الأرض عشان مفيش بنات يورثوا أو يعيشوا بعدها!
الجزء الثالث: جحيم الطوارئصوت أمي في التليفون كان بيقطع ويهتز، وكل كلمة كانت بتنزل على دماغي زي المطرقة. قفلت السكة في ثانية، ومن غير ما أستوعب أنا بعمل إيه، جريت زي المخبولة أركب أول عربية أجرة تقابلني وأنا بصرخ في السائق: "لو سمحت.. على مستشفى المركز بسرعة أرجوك، حياة ناس في خطر!"الطريق كان طويل وثقيل، وكل دقيقة كانت بتعدي كأنها سنة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.