كنتُ أرتدي عباءة وقورة، مرفوعة الرأس، وثباتي جعل كل الحاضرين يشعرون بمدى ثقل الموقف. لم أكن أرتجف، بل كانت عيناي كالسيف الباتر. حين رآني حازم، انتفض من مقعده محاولاً الاقتراب مني وهو يهمس بصوت باكي: "نور.. ونبي اسمعيني، أنا دمي كان بيغلي والله العظيم مكنتش شايف قدامي.."، لكن أخي الأكبر وضع يده بقوة على صدر حازم ودفعه للخلف صائحاً: "مكانك يا حازم!
متقربش منها شبر واحد!".وقفتُ أمام الحاج عبد الرحمن وأبي، ووضعتُ على الطاولة ملفاً بلاستيكياً كبيراً وهاتفاً محمولاً، ثم التفتتُ نحو سمر التي بهت لونها واصفرّ وجهها كأن عزرائيل قد حضر لقبض روحها. قلتُ بصوت هادئ ومسموع سمعه كل رجل في المجلس: "أنا مكنتش ناوية أفضح ولا أتكلم، بس اللي يمس شرفي برصاصة كدب، لازم أرد عليه بقنبلة حقيقة تفرتك كيانه كله.
سمر متخانقتش معايا عشان فنجان قهوة، ولا عشان غيرانة على جوزها من الأصل، سمر كانت بتفتعل خناقة عشان تطردني وتطرد طارق من البيت قبل يوم محدد، والسبب كله هنا في التليفون ده والورق ده".فتحتُ التسجيل الصوتي على الهاتف ورفعتُ الصوت إلى أقصاه، فامتلأت الغرفة بصوت سمر وهي تتحدث مع شخص غريب وتتفق معه على مبالغ مالية، وتخبره بأنها تخطط لسرقة أوراق ملكية شقة طارق وشقة حازم أيضاً ووضعها تحت رهن لأحد تجار الديون، وأنها رمت التهمة في شرفي لتشتيت حازم وطارق وجعلهم ينشغلون بالدم والفضائح بدلاً من مراجعة الحسابات والأوراق التي بدأت تختفي من مكتب البيت المشترك.
لم يكن ذلك فحسب، بل تضمن التسجيل اعترافاً صريحاً منها لذلك الشخص بأنها تتمنى تدمير زواجي لأنها لا تطيق رؤية حازم يعاملني باحترام وحب، بينما هي تعيش في جحيم مشاكلها الخاصة. سقطت سمر على ركبتيها من هول الفضيحة، وبدأ جسدها ينتفض كالمصروعة، بينما هجم طارق عليها وهو يصرخ: "يا فاجرة! بتسرقيني وبتخربي بيت أخويا عشان فلوسك الحرام؟! انتي طالق بالتلاتة! طالق ومترجعيش على ذمتي ليوم الدين!".
واندفع أخو سمر نحو طارق فاشتبك الرجال، وتحول المجلس إلى فوضى عارمة وتراشق بالأيدي حتى كاد السـ,ـلاح الأبيض يخرج من جيوب الشباب لولا تدخل الحاج عبد الرحمن الذي ضـ,ـرب عصاه في الأرض مفرّقاً الجمع بصوته الرخيم: "بس كفاية! الفضيحة بانت والوساخة ظهرت للكل، والحساب عسير!".انتهى أمر سمر بطردها وأهلها من المضيفة وسط سيل من اللعنات والفضائح التي لن تُمحى من تاريخ عائلتهم.
لكن المجلس لم ينتهِ عند هذا الحد؛ فالتفتتُ نحو حازم الذي كان جاثياً على ركبتيه في الأرض يبكي بحرقة وذل لم أرهما في رجل من قبل. زحف نحوي حتى وصل عند قدمي، وحاول أن يمسك بيدي وهو ينتحب كالأطفال: "نور، ابوس إيدك سامحيني، أنا غبي وكلب وصدقت شيـ,ـطانة ورفعت إيدي على الشرف والأصل، أنا مستعد أكتبلك عمري كله وشقتي وكل ما أملك عشان ترضي ومتبعديش عني، والله من غيرك أمـ,ـوت!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.