بلع ريقه وهز راسه بسرعة زي الأعمى:«حاضر.. حاضر يا فريدة، اللي تقوليه هيمشي ومن غير ما أراجع وراكي حرف».لف وشه ودخل على الأوضة وهو بيجر خيبته، وأنا وقفت مكاني في نص الصالة، بصيت للسقف وأخدت نفس طويل ومرتاح. الناس تفتكر إن الست القوية هي اللي بتصرخ وبتكسر البيت وبتفضح الراجل على الملأ وتاخد منه لقب «المطلقة المظلومة»..
لكن القوة الحقيقية، والذل اللي بجد، هو إنك تسيبيه هو واللي جري وراها عايشين تحت رحمتك، يتنفسوا بإذنك، ويحسبوا لخطواتهم ألف حساب عشان بس يفضلوا عايشين. رانيا خدت العيال والفيلا، بس خسرت كرامتها وبقت جارية في الضلمة ومقيدة بلقب سري، ومرتضى خد عياله، بس خسر رجولته وسيطرته وبقى ماشي على العجين ميلخبطوش، وأنا؟ كسبت الشغل، والفلوس، والاسم، والأهم من ده كله.. كسبت راحتي وسيطرتي الكاملة على اللعبة من غير ما أخسر شعرة واحدة من راسي.
أنا عديت الموقف ده بمزاجي وبكامل إرادتي، مش عن ضعف ولا قلة حيلة. في قرارة نفسي كنت معترفة بحاجة واحدة: مرتضى من حقه كأي راجل إنه يشوف حتة منه تكبر قدام عينيه، حقه يبقى عنده طفل يشيل اسمه ويسند ضهره لما يكبر، خصوصاً بعد ما اتأكدت بنفسي إن الباب ده اتقفل من ناحيتي.
بس اللي مكنش من حقه أبداً، ولا كنت هغفرهوله لو فضل عايش ميت سنة، هو الخـ،،ديـــ،ـعــ،ـه. إنه يستغفلني، يكدب عليا، ويعمل من ورايا مسرحية رخيصة ويخليني أعيش في دور المغفلة سنين.
الغدر ده هو اللي كسر مكانته في قلبي للأبد، وخلاه يتحول في نظري من حبيب وزوج لشريك حياة بالاسم والبيزنس بس. مرت الأيام، ورجعت حياتنا تمشي في مسارها اللي يبان للناس برا في منتهى الطبيعية والهدوء. بقينا نصحى الصبح، نفطر سوا، ننزل الشركة مع بعض، ونحضر الاجتماعات والحفلات وإيدي في إيده والضحكة مرسومة على وشوشنا بمنتهى الاتزان والبرود.
حتى في البيت، معاملتي ليه كانت قمة في الذوق؛ غداه جاهز، هدومه متظبطة، وكلامنا هادي ومفيهوش خناقة واحدة، بس هو كان حاسس بالسور العالي اللي اتبنى بيني وبينه، سور تلج مستحيل يدوب. أما حكايته التانية، فبقت واضحة ومكشوفة تحت نظري وإشرافي التام.
كان كل أسبوع يختار يوم محدد، يظبط ساعته، ويروح الفيلا هناك عشان يشوف ولاده. قبل ما ينزل، كان يفضل يلف ويدور ويخترع أعذار واهية:«فريدة.. عندي مشوار شغل برة وهيأخرني شوية بالليل»، أو «عندي ميعاد مع استشاري المشروع في أكتوبر ومش راجع على الغدا». وأنا؟ كنت أعدل له ياقة القميص بابتسامة هادية وصافية، وأرد بمنتهى الرقة:«تروح وترجع بالسلامة يا حبيبي.. متتأخرش عليا».
كنت عاملة نفسي مش واخدة بالي ولا فاهمة هو رايح فين، متجاهلة تماماً كدبه المكشوف اللي كان بيحاول بيه يحفظ آخر ما تبقى من مايته قدامي. كنت بسيبه ينزل وهو بياكل في نفسه من الخجل وتأنيب الضمير، وعارف في قرارة نفسه إني كاشفة مشواره بالدقيقة والثانية، بس بمارس معاه أقصى درجات التجاهل اللي بتدبح أي راجل أكتر من ألف زعيق.
هو يروح هناك يشوف ولاده في ساعة ولا ساعتين، متوتر ومكتوم، محاصر بشروطي وتحت رحمتي، وبعدها يرجع بيتي أنا.. البيت الحقيقي اللي مفاتيحه كلها في إيدي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.