. أو صوت من شقة تانية." جوزي اتنفس بحسرة واعتذرلهم وقال إن السفر والتوتر خلو الموضوع يكبر، ودخلنا وقفلنا الباب وراهم بالضبة والمفتاح. غيرنا هدومنا بالعافية، وكان تعب السفر والخوف هادد حيلنا. رامينا جسمنا على السرير في أوضة النوم، ونور الشقة كله شغال، وحاولنا نغمض عينينا ونقنع نفسنا إن الكابوس خلص وإن الموضوع مجرد وهم. وعلى الساعة تلاتة الفجر.. والنور لسه منوّر.. صحيت على صوت درفة دولاب أوضتنا بتتفتح بشويش جداً.
. بصيت جنب مني لقيت جوزي صاحي ومفتح عينيه على آخرهم ومثبت نظره على سقف الأوضة وهو مش قادر يتحرك ولا ينطق. رفع عيني بخوف ورا نظراته.. ولقيت كتب شقتي كلها، وأطباق المطبخ الفخار اللي كانت مرصوفة جوة، متعلقة في الهواء تحت السقف مباشرة فوق السرير، وطافية في الجو من غير ما أي حاجة تشيلها.
. وفي لحظة الهدوء المُرعب دي، سمعنا صوت همس واطي جداً وطالع من جوة الدولاب المفتوح بيقول: "نوّرتوا شقتكم.." قبل ما نسافر المصيف بأسبوع واحد، كنا لسه مستلمين مفاتيح الشقة جديد. الفرحة ما كانتش سايعانا، شقة واسعة، تشطيبها جديد، وسعرها كان لقطة بشكل يخوف.. بس طمعنا في المساحة والسعر خلانا نغمض عينينا عن أي تساؤل. من أول يوم نقلنا فيه العفش، كان في حاجة مش مظبوطة في النظرات.
لما كنا بنطلع الحاجة على السلم، جيران العمارة كانوا بيقفوا يتفرجوا علينا بكسرة ونظرات شفقة غريبة، كأنهم بيبصوا لناس مكتوب عليها الإعدام! جارنا اللي في الوش فتح بابه بشويش، بص لجوزي وقال بنبرة مكسورة: "يا ابني.. انتوا هتسكنوا هنا بجد؟ ربنا يقويكم ويحفظكم." جوزي ضحك ببساطة وافتكر إن الراجل بيجاملنا على تعب النقل والترتيب. في الأيام الأولى، كانت التلميحات خفيفة..
ريحة بخور تقيلة تظهر وفجأة تختفي، أو تحس إن الشقة أبرد بكثير من الجو برة رغم إننا في حر الصيف. بس كنا بنعدي كل ده ونقول "لسه الشقة مقفولة وبنتعود عليها". لحد اليوم اللي قبل السفر بلحظات.. كنا بنقفل الشنط وجوزي بيراجع على شبابيك المنور والكهرباء. وقفت قدام مراية الصالة أظبط الطرحة، وفجأة شفت في انعكاس المراية رجلين حد واقف ورايا تماماً، رجلين حافية ولونها أسود زي الفحم المطفى.
اتسمرت في مكاني والدم اتجمد في عروقي، بس لما لفيت بسرعة.. ملقيتش أي حاجة! جوزي شاف وشي أصفرّ، جه جري وسألني مالك؟ فضلت ساكتة وخفت أقوله يقول عليا بخرف من تعب التوضيب. قلتله: "مفيش.. يلا بينا نسافر بسرعة عشان نلحق الطريق." قفلنا الباب بالضبة والمفتاح ومشينا، وإحنا فاكرين إننا بنهرب للراحة والبحر، وما كناش نعرف إن الشقة كانت بتتفرج علينا وإحنا ماشيين، ومستنية لحظة رجوعنا عشان تفهمنا سر نظرات الشفقة اللي كانت في عيون الجيران.
الأيام اللي سبقت السفر كانت عبارة عن لعب أعصاب بالبطيء، بس كنا بنكابر ونقول "إرهاق توضيب". بعد موضوع الرجلين السودة اللي شفتها في المراية بيومين، بدأت الأصوات تتسلل لبيتِنا في أوقات غريبة. كنت أكون قاعدة في المطبخ بنضف الخضار، وأسمع صوت تهتيه وبكاء مكتوم جاي من بانيو الحمام.. صوت طفل صغير بيعيط بقهره، أول ما أجرِي وأفتح باب الحمام.. الصوت يقطع في ثانية، والبانيو ألاقيه ناشف ومفيش فيه نقطة مية!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.