مسحتي ريالتها وقرفها ١٢ سنة، وده ورثك الكبير... مخمدة معفنة ومتقطعة. خدي الريش اكنسيه واعملي بيه شلتة تنفعك!» ورزعت الباب وراها وخرجت تضحك مع إخواتها في الصالة. لميت الريش من على الأرض وأنا دموعي نازلة من القهر، خدت المخمدة المتقطعة وحطيتها تحت باطي وطلعت بيها على المطبخ. على نص الليل، والبيت ساكت تماماً بعد ما العيال مشوا، قعدت على الترابيزة الخشب القديمة في المطبخ. النور كان ضعيف وبيعدش. بصيت للمخمدة المتقطعة.
كلام ماريا قبل ما تموت بثواني كان بيرن في ودني زي الأجراس: «عشانك يا مريم... ليكِ أنتي بس. جوه». حطيت إيدي جوه الفتحة المتقطعة. بدأت أفتش وسط الريش الصغير والناعم. صوابعي كانت بتغوص، لحد ما عدت طبقة الريش الأساسية، ولمست حاجة غريبة... البطانة الداخلية للمخمدة مكانتش قماش عادي، كان فيه جيب مفصل بطريقة يدوية متقنة ومتخيط بخيط غزل ثقيل جوه الحشو. حسيت بحاجة ناشفة، تقيلة، وتلج. صوابعي مسكت طرف الجيب ده، وشديت.
طلعت لفافة كبيرة، ملفوفة بـ ١٥ أو ٢٠ طبقة من البلاستيك الأسود ومربوطة بشريط لحام عريض جداً. جسمي كله بدأ يترعش. جيبت سكينة المطبخ الصغيرة، وبإيدين مش قادرة تثبت، بدأت أقطع في طبقات البلاستيك واحدة ورا التانية. كان البلاستيك بيفك وبيطلع ريحة نفاثة... ريحة شمع عسل، وزيت زيتون، وعتق سنين. ولما قطعت آخر طبقة وفردت المشمع... دمي اتجمد في عروقي من الصدمة، وقفت متسمرة مش قادرة أتنفس.
قدامي على الترابيزة، تحت النور الصفر الخافت، كان فيه أربع حاجات خلوا عقلي يطير من رأسي. أول حاجة: كيس قماش ثقيل مليان جنيهات ذهب ملكية قديمة، من أيام الملك فاروق وفؤاد، لمعتهم كانت تخطف العين، متستفة فوق بعضها بعناية. تاني حاجة: علبة صفيح صغيرة، فتحتها لقيت فيها الغوايش والكرادين الذهب بتوع عيلة ماريا القدام، الذهب البلدي الصافي اللي وزنه يوزن بلد، اللي كانوا إخوات جرجس فاكرين إن أمهم باعتهم من ٣٠ سنة عشان تصرف عليهم.
تالت حاجة: لفافة ورق أصفر دايب، مفروضة ومتخيطة في جلد. لما فتحتها، لقيتها حجة ملكية أصلية وموثقة من المحكمة سنة ١٩٥٨، لبيت بحري وخمس أفدنة في أحسن حوض في البلد، باسم "ماريا جرجس". والأرض دي العيلة كانت فاكرة إنها مشاع أو ضايعة في الأوراق، لكن الحجة الأصلية المسجلة كانت هنا!
ورابع حاجة، كانت ظرف أبيض مقفول بشمع أحمر، مكتوب عليه بخط إيد مكسر وعافية، خط ماريا اللي اتعلمته في مدارس الأحد زمان: «لابنتي اللي ما ولدتهاش... مريم». فتحت الظرف بدموع مغرقة وشي، وقريت الجواب: «يا مريم يا بنتي... لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا بقيت عند ربنا. العيال دول من بطني، بس أنتي اللي كنتي أمي.
هما استكتروا عليا اللقمة والدوا، وأنتي كنتي بتبطني إيدي لما أصرخ من الوجع. الذهب ده ورثته عن أمي وما رضيتش أطلعه لعيالي لما كبروا لأنهم كانوا هيضيعوه في القمار والشرب والمظاهر. والأرض دي كتبتها باسمك بيع وشراء ومسجلة في الشهر العقاري، العقد جوه مع الحجة، عشان محدش فيهم يقدر ياخد منك سم واحد بعد موتي.
البيت ده والأرض دي والذهب ده بتوعك أنتي ومينا ابنك. هما فاكرين إنهم سابولك الزبالة والريش، ما يعرفوش إنهم سابولك عمري كله. اعفي عني لو تعبتك يا مريم، وافتكريني بدعوة في صلاتك». قعدت على الأرض في المطبخ، حاضنة الخريطة والذهب والجواب، وبكيت بكا سينين. بكيت مش بس من الفرحة أو الصدمة، بكيت لأن العدل لما بييجي من ربنا وبيجبر الخاطر، بيبقى له طعم يخلي الجسم يقشعر.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.