بس النظرة المرة دي كانت مختلفة. كل نقطة دم في جسمي كانت بتفور، وحسيت فجأة إن الست المكسورة اللي كانت بتخاف من المشاكل ومن كلام الناس، ماتت في اللحظة دي بالذات. مسكت الصينية بإيدين ثابتين، وثبت عيني في عينه هو مباشرة. ملامحي اتفرغت تمامًا من أي خوف أو كسرة، وخطيت خطوتين لقدام، ووقفت في نص الصالة، وسط الدايرة اللي عاملينها.
وبدل ما أروح ناحية الأوضة، رفعت إيدي بكل برود وعزم، وقلبت الصينية بالشربات والقهوة على هدومه وهدوم ميادة. الكوبايات نزلت ترن وتتكسر، والبقع غرقت قميصه المكوي وفستان ميادة الغالي. الصالة كلها شهقت، والصريخ طلع من البنات، وميادة بتنطط في مكانها وهي بتصرخ:«يا متخلفة يا بيئة.. إيه اللي عملتيه ده!». مبقاش فاضل في الصالة غيري أنا وهو.. واقف متسمر في مكانه، مبلول بالشربات، وعينه رايحة جاية في الأرض، عاجز حتى إنه يحط عينه في عيني.
جه يقرب خطوة، وبدأ يبرطم: «إنتِ زودتيها.. إنتِ فضحتي نفسك وفضحتيني..». قطعت كلامه بنبرة حادة وباردة، خلت رجله تقف مكانها. روحت على الترابيزة، مسكت موبايلي، ورفعت شاشته في وشه: «شايف الرقم اللي على الشاشة ده؟ ده رقم أبويا وإخواتي.. يا تاخد ديلك في سنانك وتطلع برة شقتي حالًا بهدومك اللي عليك دي، يا قسمًا بالله هدوس اتصال وهحطهم على الإسبيكر، وهحكي لأهلي وعيلتي كلها عن خطوبتك اللي عملتها في شقتي، وعن المهزلة اللي دبرتها من ورايا.
وابقى وريني وشك بقى، وهيستقبلوك إزاي ويغسلوك إزاي على الفضيحة والعملة السودة دي.. وخلي بابا يشوف المهندس اللي بيضحك على بنته». وشه بهت تمامًا، والرعب بان في عينيه، لأنه عارف إن أهله، وعمه بالذات، مش هيرحموه، وهيمسحوا بيه الأرض لو عرفوا إنه استغل بنتهم في تمثيلية رخيصة عشان يتمنظر بيها على مراته. قربت من باب الشقة وفتحته على آخره، وشاورت على السلم وقلت له بقوة: «برة.
. تطلع برة شقتي حالًا. واللي ما بيني وما بينك خلاص مات واتدفــ,,ـــــن تحت رجليا النهاردة. ورقة طلاقي توصلي على بيت أهلي بالذوق، بدل ما المحاكم هي اللي هتجيبلي حقي وتفضحك أكتر من كده.. اطلع برة!». وقف ثواني، وشه بيغلي من القهرة والغل، بس ملقاش قدامه أي حل تاني. الكبرياء المزيف اللي كان عايش بيه اتكسر، ونزل راسه في الأرض وخرج من الباب يجرجر خيبته، ورزع الباب وراه برزعة هزت العمارة كلها.
أول ما رزعت الباب وراه، حسيت إن جبل اتشال من على صدـ,,ـــري. لفيت ورجعت الصالة، وبصيت حواليا. الهيصة خلصت، ومبقاش فيه غير آثار «الفضيحة» اللي هو عملها لنفسه ولأهله. مسكت تليفوني وإيدي بتترعش، بس المرة دي من الحماس، واتصلت ببابا. «أيوة يا بابا.. تعالى حالًا إنت وإخواتي، ومش عايزة مخلوق من أهل حسام يعرف إنكم جايين».
بابا حس بلهجتي وسألني: «خير يا بنتي؟» قلت له: «كل خير يا بابا.. تعالوا بس، وهتعرفوا كل حاجة». مفيش نص ساعة، وباب الشقة خبط. كان بابا وأخواتي الاتنين، ومعاهم واحد صاحبه نجار. بابا دخل، وبص للصالة المتبهدلة، وسألني بقلق: «إيه اللي حصل؟ وفين حسام؟». في اللحظة دي، الدموع اللي حبستها طول اليوم نزلت، بس ما كانتش دموع قهرة ولا ضعف، دي كانت دموع غسيل.
. كأن روحي بتتطهر من سنين الذل والسكوت اللي عشتهم. إخواتي ما قعدوش، شمروا دراعاتهم وبدأوا يلموا معايا الكوبايات المتكسرة وينضفوا الصالة، وبابا نزل قعد تحت على القهوة اللي قصاد العمارة، عشان يضمن إن لا حسام ولا حد من أهله يهوب ناحية البيت. تاني يوم على العصر، التليفونات ما بطلتش رن. أبوه كلم بابا بصوت مكسور، وبيتأسف وبيقسم إنه ما يعرفش حاجة عن المهزلة دي.
وعمه، أبو ميادة، كان من الغيظ ، وجه بنفسه هو وأبوه لحد بيت أهلي عشان يعتذروا لبابا، ويبرروا إن بنتهم كانت وما كانتش تعرف إنه بيجيبها لشقة مراته ويعمل بيها اللي عمله. بابا قعد قصادهم حاطط رجل على رجل، وما قبلش أي تبرير ولا كلمة طبطبة، وقال لهم جملة واحدة قطعت عِرق وسيّحت دم: «ابنكم ملوش قعاد عندنا، وكرامة بنتي مش لعبة..
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.